ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

705

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

فراقب تقى اللّه ( سبحانه ) * ينلك الأماني كما يرتقب ومن يتق اللّه يجعل له * ويرزقه من حيث لا يحتسب وقال بعضهم : وإذا تكامل للفتى من عمره * خمسون وهو إلى التقى لا يجنح عكفت عليه المخزيات فماله * متأخر عنها ولا متزحزح وإذ رأى الشيطان غرة وجهه * جبا وقال فديت من لا يفلح روي أن صاحبا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام يقال له همام كان رجلا عابدا فقال له : يا أمير المؤمنين ، صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم . فتثاقل عن جوابه ثم قال عليه السّلام : يا همام اتق اللّه وأحسن فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، فلم يقنع بذلك القول حتى عزم عليه ، قال : فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقال : أما بعد ، فإن اللّه ( سبحانه ) خلق الخلق حيث خلقهم غنيّا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم لأنه لا تضر معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم ، فالمتقون فيها هم أهل الفضائل منطقهم الثواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع ، غضّوا أبصارهم عما حرّم اللّه عليهم ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء ، لولا الأجل الذي كتب اللّه لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن رآها ، فهم منعّمون وهم والنار كمن رآها ، فهم معذّبون ، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة وأجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة ، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم ربهم ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها ، أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا وتطلعت نفوسهم إليها شوقا وظنوا أنها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباهم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى اللّه ( تعالى ) في فكاك رقابهم . وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم